الاقتصاد السوري بين التعافي الحقيقي وتحديات الواقع

 الاقتصاد السوري بين التعافي الحقيقي وتحديات الواقع

​


قراءة مالية وإدارية في مرحلة لا تحتمل الحلول المؤقتة

​بقلم: وائل كنان ديروان

مدير مالي تنفيذي | رائد أعمال | مؤسس علامات تجارية

​من موقعي في الإدارة المالية، ومن خلال التعامل اليومي مع الأسواق والتكاليف والتسعير والسيولة وحركة المبيعات، أرى أن الاقتصاد السوري اليوم يقف أمام واحدة من أهم المراحل في تاريخه الحديث.

​نحن لم نعد أمام اقتصاد يحتاج فقط إلى معالجة أزمة سعر صرف أو ضبط أسعار أو زيادة رواتب، بل أمام مرحلة تتطلب إعادة بناء الدورة الاقتصادية نفسها.

​وهنا يجب أن نكون واضحين:

​تحسن المؤشرات الاقتصادية لا يعني بالضرورة أن المواطن شعر بالتحسن بعد.

​فهناك فارق كبير بين أن يبدأ الاقتصاد بالنمو على الورق، وبين أن يتحول هذا النمو إلى دخل حقيقي، وفرص عمل، واستقرار في الأسعار، وقدرة شرائية يشعر بها المواطن داخل منزله وفي السوق.

​مؤشرات إيجابية... ولكن الطريق ما زال طويلاً

​هناك اليوم مؤشرات لا يمكن تجاهلها؛ عودة تدريجية للنشاط التجاري، تحسن في حركة الاستثمار، مشاريع جديدة، زيادة في النشاط الاقتصادي، ومحاولات لإعادة تأهيل المؤسسات المالية والمصرفية وربط الاقتصاد السوري بصورة أكبر بالاقتصاد الإقليمي والدولي.

​لكنني أرى أن الحكم على نجاح أي مرحلة اقتصادية لا يكون فقط بحجم الاستثمارات المعلنة.

​المعيار الحقيقي هو:

​كم فرصة عمل أنتجت هذه الاستثمارات؟

وكم منشأة عادت للإنتاج؟

وكم ارتفع متوسط دخل الفرد الحقيقي؟

وكم انخفضت تكلفة ممارسة الأعمال؟

​فالاستثمار الذي لا ينعكس على الإنتاج والتوظيف والدخل يبقى تأثيره الاجتماعي محدوداً مهما كان حجمه.

​المشكلة الأساسية: القوة الشرائية

​من وجهة نظري، أحد أخطر الملفات الاقتصادية اليوم هو الفجوة بين تكلفة المعيشة والدخل الحقيقي.

​يمكن رفع الرواتب رقمياً، لكن إذا ارتفعت الأسعار بالتوازي معها، فإن الزيادة تتحول سريعاً إلى رقم بلا أثر حقيقي.

​الإدارة المالية تنظر دائماً إلى القيمة الحقيقية للنقود وليس إلى قيمتها الاسمية فقط.

​لذلك فإن تحسين مستوى المعيشة يحتاج إلى معادلة متكاملة:

​دخل أعلى + إنتاج أكبر + تضخم أقل + استقرار نقدي + سوق أكثر تنافسية.

​وأي محاولة لمعالجة عنصر واحد وإهمال بقية العناصر ستكون معالجة مؤقتة.

​التضخم أخطر من مجرد ارتفاع الأسعار

​التضخم لا يعني فقط أن السلعة أصبحت أغلى.

​التضخم يعني أيضاً أن رأس المال التشغيلي للشركات أصبح يحتاج إلى مبالغ أكبر، وأن تكلفة إعادة شراء المخزون ارتفعت، وأن التخطيط المالي أصبح أصعب، وأن التسعير يحتاج إلى مراجعة مستمرة.

​وهنا تظهر أهمية الإدارة المالية الحقيقية داخل الشركات.

​في الظروف الاقتصادية المتقلبة، لا يكفي أن تحقق المنشأة مبيعات مرتفعة.

​قد ترتفع المبيعات رقمياً بينما تتراجع الأرباح فعلياً.

​لذلك أصبحت مراقبة:

​هامش الربح

التدفق النقدي

دوران المخزون

تكلفة التشغيل

نقطة التعادل

رأس المال العامل

​أكثر أهمية من النظر إلى رقم المبيعات وحده.

​القطاع المصرفي هو مفتاح أساسي للتعافي

​لا يمكن بناء اقتصاد حديث يعتمد بشكل كبير على النقد المباشر.

​الشركات تحتاج إلى نظام مصرفي قادر على التمويل والتحويل والائتمان وتمويل التجارة والاستثمار.

​والمستثمر يحتاج إلى بيئة يستطيع فيها إدخال أمواله وتحويلها وإدارتها بصورة قانونية وسريعة وآمنة.

​لذلك أعتبر أن إعادة بناء القطاع المصرفي وتطوير أنظمة الدفع الإلكتروني ليست قضية تقنية، بل جزء أساسي من إعادة بناء الاقتصاد السوري.

​كلما أصبحت حركة الأموال أسرع وأكثر شفافية وأقل تكلفة، أصبحت حركة التجارة والاستثمار أكثر كفاءة.

​سوريا تحتاج اقتصاد إنتاج... لا اقتصاد استهلاك

​من أكبر الأخطاء التي يمكن ارتكابها في مرحلة التعافي هو الاعتماد المفرط على الاستيراد.

​الاستيراد ضروري، ولكن لا يمكن أن يكون أساس الاقتصاد.

​سوريا تحتاج إلى إعادة تنشيط:

​الصناعة

الزراعة

البناء وإعادة الإعمار

التكنولوجيا

السياحة والضيافة

النقل والخدمات اللوجستية

التجارة الحديثة والتجارة الإلكترونية.

​كل مصنع يعود إلى العمل يعني فرص عمل جديدة.

​وكل منتج سوري يستطيع منافسة المنتج المستورد يعني تخفيضاً للطلب على القطع الأجنبي وخلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد.

​الاقتصاد القوي ليس الاقتصاد الذي يستطيع أن يشتري كل شيء من الخارج، بل الاقتصاد الذي يستطيع أن ينتج ويبيع ويصدّر.

​القطاع الخاص ليس خصماً للدولة

​من وجهة نظري الإدارية، يجب تغيير النظرة التقليدية للعلاقة بين الدولة ورجل الأعمال.

​رجل الأعمال الحقيقي ليس مجرد شخص يحقق الأرباح.

​عندما يؤسس مشروعاً ناجحاً فهو يخلق وظائف، ويدفع أجوراً، ويشتري من الموردين، ويدفع ضرائب، ويخلق حركة تجارية حوله.

​لذلك فإن المطلوب في المرحلة القادمة هو بناء شراكة واضحة بين الدولة والقطاع الخاص تقوم على القانون والشفافية والمنافسة العادلة.

​وفي المقابل، تقع على القطاع الخاص مسؤولية كبيرة أيضاً:

​لا احتكار،

لا تهرب ضريبي،

لا تلاعب بالأسعار،

ولا أرباح سريعة على حساب استقرار السوق.

​نحتاج إلى قطاع خاص قوي، ولكن نحتاج أيضاً إلى قطاع خاص مسؤول.

​الإصلاح الضريبي يجب أن يشجع العمل

​من أكثر الملفات حساسية بالنسبة لأي مدير مالي ملف الضرائب.

​الدولة تحتاج إلى إيرادات حتى تستطيع تمويل الخدمات والبنية التحتية والإدارة العامة، وهذا أمر طبيعي في أي اقتصاد.

​لكن النظام الضريبي الناجح يجب ألا يجعل المنشأة النظامية تشعر بأنها تُعاقب لأنها تعمل بشكل قانوني.

​كلما كانت القوانين أبسط، والإجراءات أوضح، والتحصيل أكثر عدالة، زادت نسبة الالتزام الطوعي وانخفض حجم الاقتصاد غير الرسمي.

​توسيع القاعدة الضريبية أفضل اقتصادياً من الضغط المستمر على قاعدة صغيرة من المكلفين الملتزمين.

​إعادة الإعمار فرصة اقتصادية هائلة

​إعادة إعمار سوريا ليست ملف أبنية فقط.

​هي سلسلة اقتصادية ضخمة تبدأ من الإسمنت والحديد والطاقة والنقل، وتمتد إلى المصارف والتأمين والعقارات والتكنولوجيا والمطاعم والفنادق والخدمات والتجارة.

​وهذا يعني أن السنوات المقبلة يمكن أن تفتح سوقاً كبيرة أمام المستثمر السوري والعربي والأجنبي.

​لكن رأس المال يبحث دائماً عن ثلاثة أمور:

​الأمان – القانون – العائد.

​إذا توفرت هذه العناصر، فإن رأس المال سيأتي.

​وإذا غابت، فلن تكفي المؤتمرات والتصريحات لجذبه.

​النمو السريع يحتاج إدارة مالية حذرة

​هناك نقطة أعتبرها شديدة الأهمية:

​مرحلة التعافي نفسها تحمل مخاطر.

​زيادة الطلب بسرعة، وعودة رؤوس الأموال، وارتفاع الإنفاق والاستثمار، كلها أمور إيجابية، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى ارتفاع أسعار العقارات والمواد الغذائية والخدمات إذا لم يتوسع العرض والإنتاج بالسرعة نفسها.

​لذلك يجب ألا يكون هدف السياسة الاقتصادية مجرد تحقيق أعلى نسبة نمو ممكنة.

​الأهم هو تحقيق:

​نمو مستدام ومتوازن يستطيع الاقتصاد استيعابه.

​ماذا يحتاج الاقتصاد السوري اليوم؟

​برأيي، الأولويات واضحة:

​استقرار نقدي طويل الأمد.

مكافحة التضخم وحماية القوة الشرائية.

إصلاح حقيقي للقطاع المصرفي.

تشجيع الإنتاج المحلي والتصدير.

تسهيل تأسيس الشركات والاستثمارات.

تحديث النظام الضريبي والمالي.

رقمنة المدفوعات والمعاملات الحكومية.

حماية المنافسة ومنع الاحتكار.

الاستثمار في الكهرباء والطاقة والبنية التحتية.

دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

جذب رؤوس أموال السوريين في الخارج.

تطوير التعليم والتدريب وربطهما بحاجة سوق العمل.

​سوريا أمام فرصة... ولكن الفرص تحتاج إدارة

​أنا متفائل بالاقتصاد السوري، لكنني أؤمن أن التفاؤل الاقتصادي الحقيقي يجب أن يكون مبنياً على الأرقام والعمل، لا على الشعارات.

​سوريا تمتلك موقعاً استراتيجياً مهماً، وموارد بشرية، وقطاعاً تجارياً معروفاً بمرونته، وجالية سورية تمتلك خبرات ورؤوس أموال كبيرة حول العالم، إضافة إلى حاجة ضخمة لإعادة الإعمار والاستثمار.

​وهذه العناصر تستطيع أن تتحول إلى محرك اقتصادي استثنائي.

​لكن رأس المال وحده لا يبني اقتصاداً.

​الإدارة هي التي تحول رأس المال إلى مشروع،

والمشروع إلى إنتاج،

والإنتاج إلى أرباح،

والأرباح إلى توسع،

والتوسع إلى وظائف،

والوظائف إلى دخل،

والدخل إلى طلب،

والطلب يعيد تحريك الاقتصاد من جديد.

​هذه هي الدورة التي يجب أن نعيد بناءها.

​وفي النهاية، أرى أن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس:

​متى سيعود الاقتصاد السوري كما كان؟

​بل:

​كيف نبني اقتصاداً سورياً أفضل مما كان؟

​اقتصاداً يعتمد على الإنتاج قبل الاستهلاك، وعلى الإدارة قبل الارتجال، وعلى الأرقام قبل الانطباعات، وعلى الاستثمار طويل الأجل قبل الربح السريع.

​لأن سوريا اليوم لا تحتاج فقط إلى إعادة إعمار الحجر...

​بل تحتاج إلى إعادة بناء اقتصاد قادر على الاستمرار والنمو والمنافسة.

​وائل كنان ديروان

مدير مالي تنفيذي | رائد أعمال | مؤسس علامات تجارية

إرسال تعليق

أحدث أقدم