حين تتحول الدراسة إلى قدرة على فهم الطالب
من المعرفة النفسية…
إلى فهم السلوك وبناء الإنسان
لم تكن دراستي في مجال الإرشاد النفسي وتعديل السلوك مجرد دراسة أكاديمية أو مجموعة من الدورات والشهادات، بل كانت رحلة حقيقية غيّرت الطريقة التي أنظر بها إلى الطفل والطالب والإنسان.
كلما تعمقت في دراسة الاضطرابات والسلوكيات المختلفة، أدركت أن كثيرًا من التصرفات التي نصفها سريعًا بأنها عناد، أو إهمال، أو عدوان، أو قلة اهتمام قد تكون في حقيقتها رسالة يحاول الطالب التعبير عنها، لكنه لا يمتلك دائمًا القدرة على صياغتها بالكلمات.
فهم السلوك… قبل الحكم عليه
أصبحت أؤمن أن أول خطوة في التعامل مع أي سلوك ليست العقاب، وإنما السؤال:
لماذا يتصرف الطالب بهذه الطريقة؟
فقد يكون وراء السلوك صعوبة في التعلم، أو احتياج نفسي، أو رغبة في لفت الانتباه، أو محاولة للهروب من موقف يسبب له ضغطًا، أو صعوبة في التواصل والتعبير عن احتياجاته.
وهنا تظهر أهمية المعرفة النفسية؛ لأنها تساعدنا على رؤية ما وراء السلوك، بدلًا من الاكتفاء بالحكم على السلوك نفسه.
الطالب ليس مجرد رقم في فصل
وقد انعكس ما تعلمته بصورة مباشرة على عملي في المجال التعليمي.
فالطالب ليس مجرد رقم في فصل، وليس مطلوبًا منه فقط أن يحفظ الدروس ويلتزم بالتعليمات، وإنما هو شخص متكامل له احتياجاته ومشاعره وقدراته وظروفه.
وعندما نفهم الطالب، نستطيع أن نختار الطريقة الأنسب للتعامل معه، وأن نميز بين الطالب الذي يحتاج إلى الحزم، والطالب الذي يحتاج إلى الاحتواء، والطالب الذي يحتاج إلى تدريب، والطالب الذي قد يحتاج إلى تدخل متخصص.
من المشكلة إلى فرصة للنمو
المعلم الناجح لا يرى السلوك الصعب باعتباره مشكلة فقط، بل يحاول أن يفهم الرسالة التي يحملها.
فالسلوك الذي يعيق التعلم يمكن أن يكون فرصة لاكتشاف نقطة ضعف تحتاج إلى دعم، أو مهارة تحتاج إلى تدريب، أو احتياج يحتاج إلى فهم. وتؤكد الاتجاهات الحديثة في دعم السلوك أهمية فهم وظيفة السلوك وأسبابه، بدلًا من الاعتماد على العقاب وحده.
التعليم الحقيقي يبدأ من الإنسان
لهذا أؤمن أن الاستثمار في دراسة النفس والسلوك ليس رفاهية، خصوصًا للعاملين في مجال التعليم.
فنحن لا نعلّم الطلاب العلوم واللغات والرياضيات فقط، بل نشارك في بناء شخصياتهم، وتعليمهم كيف يفهمون أنفسهم، ويحترمون الآخرين، ويتعاملون مع مشاعرهم ومشكلاتهم بطريقة صحيحة.
والعلاقة الداعمة بين المعلم والطالب، مع وجود قواعد واضحة وثابتة، يمكن أن تساعد في خلق بيئة أكثر إيجابية وأمانًا للتعلم.
مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها
كل طالب وراء سلوكه حكاية…
وكلما فهمنا الحكاية، أصبحنا أكثر قدرة على صناعة التغيير.
فهم الطالب ليس ترفًا… بل بداية حقيقية لتغيير سلوكه وبناء إنسان أفضل.
بقلم
الأديبة رشا فاروق






