ما بعد التصعيد ؛ المنطقة أمام اختبار جديد

 ما بعد التصعيد ؛ المنطقة أمام اختبار جديد


ما يحدث الآن في جنوب الجزيرة العربية والبحر الأحمر لا يمكن قراءته باعتباره تطورًا يمنيًا داخليًا ، ولا باعتباره مواجهة سعودية ـ حوثية منفصلة عن بقية المشهد .


نحن أمام تصعيد يحمل أبعادًا إقليمية ودولية متشابكة ، بدأت ملامحه بالظهور بصورة أكثر وضوحًا خلال الأسابيع الأخيرة ، مع انتقال الهجمات الحوثية إلى العمق السعودي ، وتصاعد العمليات العسكرية ، واتساع دائرة التحرك السياسي والعسكري حول أمن البحر الأحمر وباب المندب .


وفي ٢٥ سبتمبر ، وجّه مفتي عام المملكة العربية السعودية الشيخ صالح بن فوزان الفوزان خطابًا إلى القوات السعودية والمرابطين على الحدود ، دعاهم فيه إلى الثبات والاستعداد للتضحية في مواجهة الحوثيين ، في خطاب ديني ورسمي بالغ القوة ، جاء بعد أسابيع من التصعيد بين المملكة والحوثيين .


وفي اليوم نفسه تقريبًا ، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي التعبئة الوطنية ، ودعا إلى دعم القوات الحكومية ، مع عرض العفو على من يترك القتال والعمل مع الحوثيين .


وهنا تتغير دلالة المشهد.


فالمسألة لم تعد مجرد رد فعل على هجوم هنا أو غارة هناك ، وإنما بدأت تقترب من إعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة .


الحوثيون أصبحوا يمتلكون تأثيرًا مباشرًا على أحد أهم الممرات البحرية في العالم ، بعد تقدمهم على الساحل الغربي اليمني وسيطرتهم على مناطق ومواقع قريبة من باب المندب ، الأمر الذي جعل أمن الملاحة الدولية جزءًا أساسيًا من الصراع .


وهنا تدخل إيران بصورة غير مباشرة في الحسابات .


فالحوثيون يمثلون أحد أهم أدوات النفوذ الإيراني في المنطقة ، لكن تحويل باب المندب إلى ورقة ضغط استراتيجية يرفع مستوى المخاطر من مواجهة يمنية إلى أزمة تتصل بأمن الخليج ، والطاقة ، والتجارة العالمية ، والممرات البحرية .


ولهذا لم تعد السعودية وحدها في دائرة التأثير ؛ 

تركيا أعلنت استعدادها لتقديم دعم عسكري للمملكة في إطار اتفاق الدفاع المشترك ، بينما ترتبط السعودية كذلك باتفاق دفاعي مع باكستان ، في الوقت الذي تتحرك فيه أطراف دولية أخرى لحماية مصالحها المرتبطة بأمن الملاحة والطاقة .


وفي المقابل ؛ فإن الولايات المتحدة لا تبدو راغبة حتى الآن في الانخراط مجددًا بصورة مباشرة في حرب واسعة ضد الحوثيين ، وهو عامل مهم في حسابات الرياض وطهران وصنعاء معًا .


أما روسيا ؛ فقد دخلت على خط الاتصالات السياسية من بوابة أمن الممرات البحرية ، حيث ناقش الرئيس فلاديمير بوتين وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ضرورة ضمان المرور الآمن وغير المعاق للسفن عبر باب المندب ومضيق هرمز ، مع التأكيد على الحل السياسي والدبلوماسي .


وهنا تظهر الصورة الأكبر ؛ 

باب المندب ليس مجرد مضيق يمني .

إنه نقطة اتصال بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي ، وأي اضطراب طويل الأمد فيه ينعكس على حركة التجارة والطاقة والتأمين البحري ، وعلى طرق الإمداد العالمية .


ومن هنا تصبح قناة السويس جزءًا مباشرًا من الحسابات ؛

فكلما زادت المخاطر في باب المندب ، زادت الضغوط على حركة الملاحة المتجهة إلى البحر الأحمر ، وأصبح أمن قناة السويس مرتبطًا بصورة أكبر بالتطورات العسكرية والسياسية في جنوب البحر الأحمر .


وهنا تحديدًا تأتي أهمية مصر ؛

الموقف المصري لا ينبغي اختزاله في سؤال : 

هل ستدخل مصر الحرب أم لا ؟


السؤال الأهم هو : 

كيف تحمي مصر أمن البحر الأحمر وقناة السويس ومصالحها الاستراتيجية ، من دون أن تنجرف إلى حرب إقليمية مفتوحة ؟


وهذه معادلة مختلفة تمامًا ؛

مصر دولة عربية ، وأمن المملكة العربية السعودية جزء مهم من منظومة الأمن العربي ، وفي الوقت نفسه فإن القاهرة معنية مباشرة بأمن الملاحة ، وباستقرار البحر الأحمر ، وبمنع تحويل باب المندب إلى ساحة صراع دولي مفتوح .


ولهذا فإن أي قراءة جادة للموقف المصري يجب أن تضع في الاعتبار أن القاهرة لا تتعامل مع اليمن باعتباره ملفًا منفصلًا ، وإنما تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره امتدادًا مباشرًا للأمن القومي المصري .


لكن هناك بعدًا آخر لا يقل أهمية ؛

إذا تطورت المواجهة إلى حرب إقليمية واسعة ، فلن يكون التأثير عسكريًا فقط .


أسعار الطاقة ، التأمين البحري ، خطوط التجارة ، الموانئ ، حركة السفن ، الاقتصاد العالمي ، وأسواق المنطقة كلها ستدخل في دائرة التأثر .


ولهذا فإن ما يحدث الآن ليس معركة على مدينة يمنية أو منطقة حدودية فحسب .


إنه اختبار حقيقي لقدرة المنطقة على منع تحول صراع محدود إلى مواجهة إقليمية متعددة الأطراف .


والرسالة الأخطر في المشهد الحالي أن الخطاب السياسي والعسكري والديني أصبح يتحرك في اتجاه واحد أكثر صلابة ، بينما تتسع في الوقت نفسه دائرة الأطراف التي يمكن أن تتأثر بالصراع أو تدخل في حساباته .


لذلك فإن المرحلة القادمة لن تحددها القوة العسكرية وحدها ؛

ستحددها أيضًا قدرة السعودية على حماية أراضيها ومصالحها ، وقدرة الحكومة اليمنية على استعادة نفوذ الدولة ، وحسابات إيران ، وموقف الولايات المتحدة ، ودور تركيا وباكستان ، وموقف روسيا ، وأمن الملاحة الدولية ، والأهم : قدرة الأطراف العربية على منع تفكك منظومة الأمن الإقليمي .


المنطقة أمام اختبار جديد ؛ 

والسؤال لم يعد : 

ماذا يحدث في اليمن ؟

بل أصبح :

إلى أين يتجه الشرق الأوسط إذا أصبح باب المندب جزءًا من صراع إقليمي مفتوح ؟


✍️ يٰاسِرْ مَرْوَانْ

الإتحاد الوطني لمكافحة الفساد والإرهاب

ودعم مؤسسات الدوله

رئيس الهيئة الإستشارية العليا

ولجنة الأمن القومي

مجلس التنميه العربيه والتعاون الدولي

النقابه العامه لمستشاري التحكيم الدولي وخبراء الملكيه الفكريه

العلاقات الدبلوماسية والقنصلية

لجنة تقصِّي الحقائق

الله الوطن الجيش

إرسال تعليق

أحدث أقدم